السيد كمال الحيدري
29
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
وهكذا كانت الحركة الفكرية في العصر الإسلامي تمضي في نقل أفكار الفلاسفة السابقين وشرحها ، حتى انتهى الأمر إلى ظهور علَمَين كبيرين في تاريخ الفلسفة الإسلامية هما : « أبو نصر الفارابي » « 1 » الملقّب بالمعلم الثاني ،
--> ( 1 ) هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخات بن أوزلغ المعروف باسم الفارابي ، ولد سنة 257 ه 870 م . في مدينة « فاراب » ، وهي إحدى مدن الترك ما وراء النهر ، وكان أبوه فارسياً ، تزوّج من امرأة تركية . كان في بداية حياته قاضياً ، ولمّا شعر بالمعارف نبذ القضاء ، وكان سبب قراءة الفارابي للحكمة أنّ رجلًا أودع عنده جملة من كتب أرسطو ، فاتّفق أن نظر فيها ، فوافقت منه قبولًا ، ومال إلى قراءتها ، حتى أتقن فهمها وصار فيلسوفاً بالحقيقة . توجّه الفارابي بعد أسفار متعدّدة من مصر إلى بغداد وحطّ رحاله في الشام حيث قدم على سيف الدولة صاحب حلب ، فضمّه سيف الدولة إلى علماء بلاطه ، ثم اصطحبه في حملته على دمشق سنة 334 ، وعاش فيها حتى أدركه الأجل سنة 339 ه / 950 م . وله من العمر ثمانون عاماً ، فصلّى عليه سيف الدولة ، ودُفن بظاهر دمشق خارج الباب الغصير . ترجع مكانة الفارابي العلمية إلى أنّه أنشأ مذهباً فلسفياً كلامياً ، وقام في الفلسفة العربية بالدور الذي قام به أفلوطين في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة ، وكما لقّب أرسطو بالمعلّم الأوّل ، فكذلك لقّب الفارابي بالمعلّم الثاني . اطّلع المستشرقون والمؤرّخون في أوروبا وأميركا على فلسفة الفارابي ودرسوها وتأثّروا بها ، وخرجوا بالقول إنّ الفارابي مؤسّس الفلسفة في عصره والمقدَّم فيها ، وهو المرجع وعليه الاعتماد . والفارابي هو أوّل من حمل المنطق الصوري اليوناني تامّاً منظمّاً إلى العرب ، وقد أعجب بأرسطو ، فشرح كتبه المنطقية وعلّق عليها ، فأظهر غامضها ، وكشف سرّها . وربما كما قيل إنّ الفارابي كان أوّل من ظهرت إليه فكرة « الواجب » و « الممكن » بدلًا من فكرة « الحادث » و « القديم » . للفارابي كتب كثيرة ، منها مقدّمات ومختصرات ، ومنها شروح وتعليقات ، ومنها ردود على المتقدمين ، ومنها تصنيفات تتضمّن بعض ما انفرد به من الآراء . ومن كتبه الخاصّة : 1 . الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو 2 . فصوص الحكم 3 . آراء أهل المدينة الفاضلة 4 . السياسات المدنية 5 . رسالة في السياسة 6 . تحصيل السعادة .